علوم الثورة/حين هزمت السلمية الدبابات.. قصة «ثورة قوة الشعب» في الفلبين


ماذا يمكن أن تفعل الاحتجاجات السلمية أمام الدبابات؟ الإجابة: يمكنها فعل الكثير لكن إذا نُفذت بالطريقة الصحيحة. وخير مثال على ذلك «ثورة قوة الشعب» في الفلبين، التي أوضحت ما الذي يمكن أن تفعله أساليب الاحتجاج السلمية أمام دبابات الديكتاتور.

فالدكتاتور دائمًا ما يستمد قوته من خلافات واختلافات وتقسيمات شعبه، فيسهل عليه سحق أي فصيل يعارضه منفصلًا. لكن إذا توحدت الفصائل السياسية والأطياف الشعبية المختلفة؛ يفقد الكثير من قدرته على إقناع جنوده بسحقهم. فالجنود من الشعب وسيصعُب إدارتهم إذا تحول مشهد الاحتجاجات لمشهد شعبي سلمي، إذ يسهل على النظام تشويه وتخوين فصيل معين أو سحق أي مقاومة مسلحة، لكن يصعب إقناع الجنود بفتح النار على الاحتجاجات السلمية التي تضم فئات وفصائل الشعب المختلفة، وكان هذا مفتاح نجاح الثورة الفلبينية.

من هو ديكتاتور الفلبين؟

عندما كان فرديناند ماركوس يبلغ من العمر 20 عامًا، قُبض عليه بتهمة التآمر لقتل أحد المنافسين السياسيين لوالده، وأدين بالقتل وحكم عليه بالسجن. وتم استئناف القضية أمام المحكمة العليا الفلبينية، ومثل ماركوس (المحامي الشاب) نفسه أمام المحكمة وربح الاستئناف، فأُطلق سراحه. فيما بعد؛ وعندما أصبح رئيس الفلبين عام 1965، صار واحدًا من أشرس الديكتاتوريين في العالم، إذ عزز سلطته من خلال التلاعب بالرأي العام، وتزوير الانتخابات، بالإضافة إلى إبقاء الشعب في حالة خوف من خلال الاعتقالات والاغتيالات.

ورغم أن الدستور الفلبيني حصر مدة الرئاسة في فترتين؛ مدة كل منهما أربع سنوات، إلا أن ماركوس حكم لمدة 20 عامًا، من خلال تعليق الدستور (بعد إعلان الأحكام العرفية)، وكتابة دستور آخر أكثر ملاءمة لطموحاته. وأصبح يدير الفلبين كما لو كانت ناديه الخاص، إذ كان يسيطر على الجيش والبرلمان والمحاكم والصحافة والعديد من الشركات الاحتكارية. وازداد ثراءً هو وأصدقاؤه؛ بينما أصبحت البلاد أكثر فقرًا.

هكذا اهتز عرش الديكتاتور

في 21 أغسطس (آب) عام 1983، قرر بنينو أكينو (أحد الأشخاص القلائل الذين تحدوا الدكتاتور علانيةً) العودة إلى الفلبين، بعد ثلاث سنوات البقاء في الولايات المتحدة، الذي ذهب إليها بعد قضائه سبعة أعوام في سجون الفلبين؛ لكن الرصاص منع أكينو -الذي كان التهديد الأكبر لرئاسة ماركوس- من استكمال مشواره النضالي، وسقط جسده على مدرج المطار وأصبح حادث اغتياله الشرارة التي أشعلت النار في نظام ماركوس.

صورة لجنازة بنينو أكينو – المصدر: أوفيشيال جازيت

حظرت حكومة ماركوس التغطية الإعلامية لجنازة أكينو، ونتيجة ذلك حضرت أعداد غفيرة بلغت 2 مليون مشيع ليروا بأنفسهم ما يجري، وتحولت مسيرة الجنازة إلى مظاهرة ضد ماركوس استمرت لمدة 11 ساعة.

جمع اغتيال أكينو الأطياف المختلفة للمعارضة، في قضية مشتركة لاستعادة حريتهم السياسية وكرامتهم، وظهرت التجمعات وغيرها من أشكال المقاومة في المدن والبلدات في جميع أنحاء الفلبين. وخلال عامين ونصف، انضمت جميع شرائح السكان، بما في ذلك الطبقات العليا والمتوسطة، إلى الكفاح للتخلص من نظام ماركوس.

وأدى حادث اغتيال أكينو إلى فقدان الثقة في مجتمع الأعمال، وبدأ رأس المال في مغادرة البلاد بمعدل 12 مليون دولار أمريكي في اليوم، وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 1983، اضطر البنك المركزي الفلبيني؛ إلى إخبار دائنيه بعجزه عن الوفاء بالتزاماته المتعلقة بديونه البالغة 24.6 مليار دولار أمريكي. وعانت العملة الوطنية من انخفاض قيمتها بنسبة 21٪، وفي عام 1984، انخفض مؤشر الاقتصاد بنسبة 6.8٪ ثم عاد وانخفض مرة أخرى بنسبة 3.8٪ في عام 1985.

وتحت الضغط الشعبي تشكلت لجنتان للتحقيق في واقعة الاغتيال ووجهت الاتهامات لـ26 متآمرًا؛ من بينهم الجنرال فابيان فير قائد الأركان بالجيش، وبدأت المحاكمة في 22 فبراير (شباط) 1985، وسرعان ما أصبح تواطؤ المحكمة واضحًا، وتزايدت احتجاجات تدعو ماركوس إلى التنحي.

قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!


جنبًا إلى جنب.. توحيد الصفوف وخوض معركة الانتخابات

وفي 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1985، استسلم ماركوس لضغوط الفلبينيين (وإدارة ريجان في واشنطن)، وفاجأ الجميع بإعلانه عن انتخابات رئاسية أثناء إجراء مقابلة معه في برنامج «هذا الأسبوع مع ديفيد برينكلي»، ليثبت للعالم أنه لا يزال يحظى بدعم واسع من شعبه. وأصبحت كورازون أكينو أرملة بنينو أكينو، وهي ربة منزل بحسب وصفها، ممثلة المعارضة في الانتخابات الرئاسية ضد ماركوس. وكما كان متوقعًا، زورت الانتخابات، وضرب أتباع ماركوس العاملين في الانتخابات وأعلنت الحكومة ماركوس الفائز.

Embed from Getty Images

المرشحة الرئاسية كوري أكينو تخاطب أنصارها في قاعة بلدية ماكاتي في مانيلا، وتدعو مقاومة اللاعنفي ضد نظام فرديناند ماركوس ، 8 فبراير 1986

في 2 ديسمبر (كانون الأول) 1985، تمت تبرئة الجنرال فابيان فير وجميع المتهمين الخمسة والعشرين من التواطؤ في اغتيال أكينو، لتعلن كورازون أو كوري أكينو أرملة بنينو أكينو (ربة المنزل البسيطة) في اليوم التالي ترشحها لمنصب الرئيس مع سلفادور لوريل (ائتلاف جماعات المعارضة في البرلمان) لمنصب نائب الرئيس. وذلك بالرغم من أن أسرتي أكينو ولوريل كانتا متنافستين منذ زمن طويل في السياسة الفلبينية، إلا أن رئيس أساقفة مانيلا، الكاردينال خايمي سين رتب هذا التوافق لهزيمة ماركوس، مما قوى جبهة المعارضة ضد النظام.

كانت الانتخابات تدار بشكل رسمي بواسطة «لجنة الانتخابات الحكومية (COMELEC)». ولكن تشكلت «الحركة الوطنية للانتخابات الحرة (NAMFREL)» وهي منظمة تضم 300 ألف متطوع لحماية العملية الانتخابية من الاحتيال والتزوير، وكان لها صلات وثيقة بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية ومنظماتها، إذ شارك الكهنة والراهبات بالكثير من أعمال (NAMFREL).

بذلت منظمة (NAMFREL) قصارى جهدها لحماية مراكز الاقتراع وصناديق الاقتراع، لكن رصدت أدلة كثيرة على ملء صناديق الاقتراع بالأصوات المزورة وسرقة صناديق أخرى. وكان أهم ما فعلته منظمة (NAMFREL) هو جهودها في الجدولة السريعة والإبلاغ عن التصويت للحد من فرص العبث بالنتائج.

وعند فرز الأصوات، أعلنت منظمة (COMELEC) الحكومية عن تقدم ماركوس بينما أكدت نتائج (NAMFREL) حصول مرشحي المعارضة على الأغلبية. وفي اليوم التالي للانتخابات، 8 فبراير، أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أن الانتخابات مزورة، ولاحظ مسؤولو الكمبيوتر في مقر (COMELEC) التباين بين الأرقام التي كانوا يعالجونها والأرقام الواردة في الإعلانات الرسمية. وفي تحدٍ عام وقف العمال وتقدّموا بشجاعة إلى خارج مركز الكمبيوتر التابع لـ(COMELEC) احتجاجًا على تزوير نتائج الانتخابات.

أعلن مرشحا المعارضة الفوز بالانتخابات، وأشار ماركوس إلى البرلمان، الذي يسيطر عليه، لاتخاذ قرار بشأن نتيجة الانتخابات. وأعلن البرلمان أن نتيجة الانتخابات لصالح ماركوس يوم السبت، 15 فبراير.

Embed from Getty Images

كوري أكينو وسلفادور لوريل

رفضت كوري أكينو الاعتراف بالهزيمة ودعت أتباعها إلى التجمع في اليوم التالي في ريزال بارك بالعاصمة مانيلا. وحضر نحو مليون شخص يوم الأحد، 16 فبراير 1986، لسماع كوري التي دعت لتطبيق برنامجًا للمقاومة السلمية (اللاعنفية)، بما في ذلك وقف العمل ليوم واحد ومقاطعة البنوك والمتاجر والصحف التي يسيطر عليها ماركوس وحلفاؤه والعصيان المدني. وحثت الشعب على تجربة أشكال سلمية من الاحتجاج وأعلنت عن تصعيد مقاومة اللاعنف وإلى إضراب عام يبدأ في 25 فبراير يوم تنصيب ماركوس.

خطط ماركوس للتعامل مع عصيان أكينو المدني والإضراب العام من خلال إعادة فرض الأحكام العرفية، واعتقال أكينو و10 آلاف شخص من المعارضة. وفي يوم الأربعاء الموافق 19 فبراير، أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قرارًا يدين الانتخابات.

كيف هزمت السلمية الدبابات؟

في 22 فبراير 1986، خطط بعض الضباط العسكريين بقيادة وزير الدفاع آنذاك خوان بونس إنريل للانقلاب على الديكتاتور ماركوس لاستباق خطته لفرض الأحكام العرفية، ولكن قبل بدء خطة التمرد، كُشفت خطة الانقلاب واتخذ نظام ماركوس الإجراءات الوقائية وحصن قائد أركان القوات المسلحة الفلبينية الجنرال فابيان فير أمن القصر الرئاسي، ما أجبر كبار قادة الانقلاب وهما وزير الدفاع خوان بونس إنريل ونائب رئيس الأركان فيديل راموس، للجوء إلى القواعد العسكرية شمال مانيلا مع مجموعة صغيرة من الجنود المتعاطفين، وأعلنوا أنهم مستعدون للموت بدلًا من الاستمرار في دعم نظام ماركوس الفاسد.

«لقد حوصروا.. يمكن محوهم بسهولة باستخدام نيران المدفعية البسيطة والدبابات.. أنوي البقاء رئيسًا، وإذا لزم الأمر سأدافع عن هذا الموقف بكل القوة المتاحة لي».  *ماركوس

وعلى الفور تدخل رئيس أساقفة مانيلا خايمي كاردينال سين، ودعا من خلال «محطة فيريتاس الإذاعية» (محطة إذاعية مستقلة تديرها الكنيسة الكاثوليكية)، دعم «أصدقائنا الطيبين» وقال: «اترك منزلك الآن أطلب منكم دعم السيد إنريل والجنرال راموس، فهم أصدقاؤنا». ودعت أكينو الشعب الفلبيني وشرفاء الجيش إلى التجمع خلف إنريل وراموس.

وظلت «محطة فيريتاس الإذاعية» تدعو الناس إلى تطويق القواعد العسكرية للمتمردين؛ ومنع حركة أي قوات قد يرسلها ماركوس. واستجاب مئات الآلاف من الناس وملؤوا شارع «Epifanio de los Santos Avenue»؛ المعروف محليًّا باسم «EDSA» وهو الشارع الرئيسي المؤدي للمعسكران (معسكر أغينالدو وكامب كرايم)، وقاموا بتقطيع الأشجار وأوقفوا الحافلات في تقاطعات الطرق لحصار الشوارع المؤدية إلى معسكرات المتمردين، وخيمت عائلات بأكملها في الشوارع، مستخدمة أجسادها لحماية قوات المتمردين من الهجوم.